لقد بدأ الطقس يتدهور والمطر ينزل بغزارة، ومع هذا فقد كان أسبوعي مليئًا بالسفريات، حتّى أني اضطررت لقيادة السيارة إلى الناصرة في عزّ العواصف والمطر، وذلك لإرضاء زوجتي وابنة عمتها التي جاءت لزيارتنا لأسبوع كامل. إن ابنة عمة زوجتي "سكوتة" ولا تتكلم الانجليزية، وقد بدا لي الأمر وكأن لدينا طفلة تبنيناها لمدة أسبوع. لقد بدأ الأمر يزعجني، ذلك لأني تحولت إلى مرشد
رحلات يقضي وقته في سفر دائم، فتارة أسوق إلى البحر، وتارة إلى الناصرة أو إلى عكا أو إلى غيرها من المدن والأماكن السياحيّة. أقود السيارة وأشرح عن تاريخ المناطق. كما وصرت أقضي غالبيّة وقتي في البيت في غرفة النوم لأن ابنة عمة زوجتي كانت دائمًا تحتلّ غرفة الصالون وتجلس تتفرج في التلفزيون على محطة "RTL" الألمانية، التي تبث برامج مزعجةً مثل "سوبر ستار"، الذي نرى من خلاله الكثير من الألمان الذين يحاولون دون نجاح الغناء بالانجليزية.
بعد أن انتهينا من قصة محاولة اختراق نابليون لأسوار عكا، ذهبنا إلى ساحة الصليبيين حيث تركنا ابنة عمة زوجتي لكي تتمتع بمشوار مع مرشد مزوّد بجهاز تسجيل يقوم بالشرح عن المكان بالألمانية. أمّا أنا وزوجتي فقد ذهبنا لشرب فنجان قهوة بالقرب من جامع الجزار.
عند المكان الذي جلسنا فيه وقف رجل يبيع الحلاوة على عربة، ثم جاءت امرأة يهودية تحمل "كاميرا فيديو" وبدأت بتصوير الرجل بائع الحلاوة وكأنه كان وحيد قرن في "سفاري" تل أبيب. لم تسأله إن كان يوافق أو تهتم برأيه بل وقفت بجانبه تصوره. بعد أن أنهت ابنة عمّ زوجتي جولتها، اصطحبناها لزيارة جامع الجزار. ونحن ندخل الجامع، أوقفنا أحد الحرس قائلا: "من أنتم؟" فأجبته: "أنا عربيّ وأصطحب زوجتي الألمانية وابنة عمتها ...". فقال: "أنت مجانًا أما هنّ فالواحدة بعشرة شواقل". هذا أغضب زوجتي حتّى أنها أوشكت أن تقول له أني مسيحي ولذا فعليّ أن أدفع مثلهنّ، لكنها سرعان ما تنبهت بأن هذا سيؤدي إلى دفع نقود أكثر، فتداركت وأمسكت عن الكلام.
دخلنا الجامع وسرعان ما جاء ناحيتنا رجل عكاوي يتكلم الألمانية وبدأ يشرح لهنّ عن تاريخ المكان وعن الجزار الذي قتل زوجاته السبعة وعشرون لأن واحدة منهن خانته. حين أنهى كلامه وقف وقال "ترايتسيخ شاقل" فدفعنا له الثلاثون شاقلاً وخرجنا هربًا قبل أن نبذّر نقودًا أكثر.
اتصلت بصديقنا وسام، فردت علي أمه التي فرحت باتصالي. إنها تعزّني لأنها قرأت كتابي واستمتعت به. ثم تحدثت مع وسام واتفقنا على أن نلتقي على فنجان شاي ونرجيلة. حضر وسام وأسعدنا بحديثة الشيّق عن الفن والموسيقى، ثم رجعنا إلى البيت في حيفا أنا وعائلتي الألمانية. أعددت لنفسي فنجان قهوة وأشعلت سيجارة وجلست في غرفة النوم، وإذا بأبي يتصل ويقول لي أن كتابي الجديد موجود في مكاتب المؤسسة العربيّة في عمّان وأني سأحصل قريبًا على نسخ منه، ففرحت وأخذت نفسًا من السيجارة وأنا أفكر بأيام أفضل لا بدّ أن تأتي.